فصل: فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.فصل إعْطَاؤُهُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلزّكَاةِ:

وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا عَلِمَ مِنْ الرّجُلِ أَنّهُ مِنْ أَهْلِ الزّكَاةِ أَعْطَاهُ وَإِنْ سَأَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الزّكَاةِ وَلَمْ يَعْرِفْ حَالَهُ أَعْطَاهُ بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَهُ أَنّهُ لَا حَظّ فِيهَا لِغَنِيّ وَلَا لِقَوِيّ مُكْتَسِبٍ. وَكَانَ يَأْخُذُهَا مِنْ أَهْلِهَا وَيَضَعُهَا فِي حَقّهَا.

.تَفْرِيقُ الزّكَاةِ عَلَى الْمُسْتَحِقّينَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ:

وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ تَفْرِيقُ الزّكَاةِ عَلَى الْمُسْتَحِقّينَ الّذِينَ فِي بَلَدِ الْمَالِ وَمَا فَضَلَ عَنْهُمْ مِنْهَا حُمِلَتْ إلَيْهِ فَفَرّقَهَا هُوَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلِذَلِكَ كَانَ يَبْعَثُ سُعَاتَهُ إلَى الْبَوَادِي وَلَمْ يَكُنْ يَبْعَثُهُمْ إلَى الْقُرَى بَلْ أَمَرَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَنْ يَأْخُذَ الصّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَاءِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَيُعْطِيهَا فُقَرَاءَهُمْ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِحَمْلِهَا إلَيْهِ.

.بَعَثَ السّعَاةَ لِجِبَايَةِ الزّكَاةِ:

وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَنْ يَبْعَثَ سُعَاتَهُ إلّا إلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ الظّاهِرَةِ مِنْ الْمَوَاشِي وَالزّرُوعِ وَالثّمَارِ وَكَانَ يَبْعَثُ الْخَارِصَ فَيَخْرُصُ عَلَى أَرْبَابِ النّخِيلِ تَمْرَ نَخِيلِهِمْ وَيَنْظُرُ كَمْ يَجِيءُ مِنْهُ وَسْقًا فَيَحْسِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ الزّكَاةِ بِقَدْرِهِ وَكَانَ يَأْمُرُ وَكَانَ هَذَا الْخَرْصُ لِكَيْ تُحْصَى الزّكَاةُ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثّمَارُ وَتُصْرَمَ وَلْيَتَصَرّفْ فِيهَا أَرْبَابُهَا بِمَا شَاءُوا وَيَضْمَنُوا قَدْرَ الزّكَاةِ وَلِذَلِكَ كَانَ يَبْعَثُ الْخَارِصَ إلَى مَنْ سَاقَاهُ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ وَزَارِعِهِ فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ الثّمَارَ وَالزّرُوعَ وَيُضَمّنُهُمْ شَطْرَهَا وَكَانَ يَبْعَثُ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَأَرَادُوا أَنْ يَرْشُوهُ فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ تُطْعِمُونِي السّحْتَ؟ وَاَللّهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبّ النّاسِ إلَيّ وَلَأَنْتُمْ أَبْغَضُ إلَيّ مِنْ عِدّتِكُمْ مِنْ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَلَا يَحْمِلُنِي بُغْضِي لَك وَحُبّي إيّاهُ أَنْ لَا أَعْدِلَ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتْ السّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.

.بَعْضُ الْأَصْنَافِ الّتِي لَا تَجِبُ فِيهَا الزّكَاةُ:

أَخْذُ الزّكَاةِ مِنْ الْخَيْلِ وَالرّقِيقِ وَلَا الْبِغَالِ وَلَا الْحَمِيرِ وَلَا الْخُضْرَاوَات وَلَا الْمَبَاطِخِ وَالْمَقَاثِي وَالْفَوَاكِهِ الّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُدّخَرُ إلّا الْعِنَبُ وَالرّطَبُ فَإِنّهُ كَانَ يَأْخُذُ الزّكَاةَ مِنْهُ جُمْلَةً وَلَمْ يُفَرّقْ بَيْنَ مَا يَبِسَ مِنْهُ وَمَا لَمْ يَيْبَسْ.

.فصل زَكَاةُ الْعَسَلِ:

وَاخْتَلَفَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْعَسَلِ فَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَالَ جَاءَ هِلَالٌ أَحَدُ بَنِي مُتْعان إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ وَكَانَ سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ وَادِيًا يقُال لَهُ سَلَبَةُ فَحَمَى لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَلِكَ الْوَادِيَ فَلَمّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَيْهِ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَكَتَبَ عُمَرُ إنْ أَدّى إلَيْك مَا كَانَ يُؤَدّي إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ عُشُورِ نَحْلِهِ فَاحْمِ لَهُ سَلَبَة وَإِلّا فَإِنّمَا هُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ يَأْكُلُهُ مَنْ يَشَاءُ وَفِي رِوَايَةٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ كُلّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ أَنّهُ أَخَذَ مِنْ الْعَسَلِ الْعُشْرَ.
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي سَيّارَةَ الْمُتَعِيّ قَالَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ لِي نَحْلًا. قَالَ أَدّ الْعُشْرَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللّهِ احْمِهَا لِي فَحَمَاهَا لِي وَرَوَى عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُحَرّرٍ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَتَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الْعَسَلِ الْعُشْرُ قَالَ الشّافِعِيّ: أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَسْلَمْتُ ثُمّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ اجْعَلْ لِقَوْمِي مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ فَفَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاسْتَعْمَلَنِي عَلَيْهِمْ ثُمّ اسْتَعْمَلَنِي أَبُو بَكْرٍ ثُمّ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ وَكَانَ سَعْدٌ مِنْ أَهْلِ السّرَاةِ قَالَ فَكَلّمْتُ قَوْمِي فِي الْعَسَلِ فَقُلْت لَهُمْ فِيهِ زَكَاةٌ فَإِنّهُ لَا خَيْرَ فِي ثَمَرَةٍ لَا تُزَكّى. فَقَالُوا: كَمْ تَرَى؟ قُلْتَ الْعُشْرُ. فَأَخَذْت مِنْهُمْ الْعُشْرَ فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا كَانَ. قَالَ فَقَبَضَهُ عُمَرُ ثُمّ جَعَلَ ثَمَنَهُ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ لِلشّافِعِيّ.

.مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي الْعَسَلِ الزّكَاةُ:

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَحُكْمِهَا فَقَالَ الْبُخَارِيّ: لَيْسَ فِي زَكَاةِ الْعَسَلِ شَيْءٌ يَصِحّ وَقَالَ التّرْمِذِيّ: يَصِحّ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرُ شَيْءٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي وُجُوبِ صَدَقَةِ الْعَسَلِ حَدِيثٌ يَثْبُتُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا إجْمَاعَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَقَالَ الشّافِعِيّ: الْحَدِيثُ فِي أَنّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ ضَعِيفٌ وَفِي أَنّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ ضَعِيفٌ إلّا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَالَ هَؤُلَاءِ وَأَحَادِيثُ الْوُجُوبِ كُلّهَا مَعْلُولَةٌ أَمّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ صَدَقَةِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ وَصَدَقَةُ ضَعّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ الْبُخَارِيّ: هُوَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُرْسَلٌ وَقَالَ النّسَائِيّ: صَدَقَةُ لَيْسَ بِشَيْءِ وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَأَمّا حَدِيثُ أَبِي سَيّارَةَ الْمُتَعِيّ فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْهُ قَالَ الْبُخَارِيّ: سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى لَمْ يُدْرِكْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. وَأَمّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْآخَرُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخَذَ مِنْ الْعَسَلِ الْعُشْرَ فَفِيهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ يَرْوِيهِ عَنْ عَمْرٍو وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: بَنُو زَيْدٍ ثَلَاثَتُهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءِ وَقَالَ التّرْمِذِيّ: لَيْسَ فِي وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ثِقَةٌ. وَأَمّا حَدِيثُ الزّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَمَا أَظْهَرَ دَلَالَتِهِ لَوْ سَلِمَ مِنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُحَرّرٍ رَاوِيهِ عَنْ الزّهْرِيّ قَالَ الْبُخَارِيّ فِي حَدِيثِهِ هَذَا: عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُحَرّرٍ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ فِي زَكَاةِ الْعَسَلِ شَيْءٌ يَصِحّ. وَأَمّا حَدِيثُ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: رَوَاهُ الصّلْتُ بْنُ مُحَمّدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ هُوَ ابْنُ أَبِي ذُبَابٍ عَنْ مُنِيرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى عَنْ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ. قَالَ الْبُخَارِيّ: عَبْدُ اللّهِ وَالِدُ مُنِيرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ لَمْ يَصِحّ حَدِيثُهُ وَقَالَ عَلِيّ بْنُ الْمَدِينِيّ: مُنِيرٌ هَذَا لَا نَعْرِفُهُ إلّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَذَا قَالَ لِي. قَالَ الشّافِعِيّ: وَسَعْدُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ يَحْكِي مَا يَدُلّ عَلَى أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِأَخْذِ الصّدَقَةِ مِنْ الْعَسَلِ وَإِنّمَا هُوَ شَيْءٌ رَآهُ فَتَطَوّعَ لَهُ بِهِ أَهْلُهُ. قَالَ الشّافِعِيّ: وَاخْتِيَارِي أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ لِأَنّ السّنَنَ وَالْآثَارَ ثَابِتَةٌ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَيْسَتْ ثَابِتَةً فِيهِ فَكَأَنّهُ عَفْوٌ. وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ لَيْسَ فِي الْعَسَلِ زَكَاةٌ قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ الْعَسَلِ؟ فَلَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا. وَذَكَرَ عَنْ مُعَاذٍ أَنّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْعَسَلِ شَيْئًا. قَالَ الْحُمَيْدِيّ حَدّثَنَا سُفْيَانُ حَدّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنّهُ أَتَى بِوَقَصِ الْبَقَرِ وَالْعَسَلِ فَقَالَ مُعَاذٌ: كِلَاهُمَا لَمْ يَأْمُرْنِي فِيهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ الشّافِعِيّ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ جَاءَنَا كِتَابٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللّهُ إلَى أَبِي وَهُوَ بِمِنَى أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ الْخَيْلِ وَلَا مِنْ الْعَسَلِ صَدَقَةً وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشّافِعِيّ.

.مَنْ قَالَ فِي الْعَسَلِ زَكَاةٌ:

وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةٌ وَرَأَوْا أَنّ هَذِهِ الْآثَارَ يُقَوّي بَعْضُهَا بَعْضًا وَقَدْ تَعَدّدَتْ مَخَارِجُهَا وَاخْتَلَفَتْ طُرُقُهَا وَمُرْسِلُهَا يُعْضَدُ بِمَسْنَدِهَا. وَقَدْ سُئِلَ أَبُو حَاتِمٍ الرّازِيّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ وَالِدِ مُنِيرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ يَصِحّ حَدِيثُهُ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ هَؤُلَاءِ وَلِأَنّهُ يَتَوَلّدُ مِنْ نُورِ.
الشّجَرِ وَالزّهْرِ وَيُكَالُ وَيَدّخِرُ فَوَجَبَتْ فِيهِ الزّكَاةُ كَالْحُبُوبِ وَالثّمَارِ. قَالُوا: وَالْكُلْفَةُ فِي أَخْذِهِ دُونَ الْكُلْفَةِ فِي الزّرْعِ وَالثّمَارِ ثُمّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنّمَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ إذَا أَخَذَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ فَإِنْ أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ عِنْدَهُ لِأَنّ أَرْضَ الْخَرَاجِ قَدْ وَجَبَ عَلَى مَالِكِهَا الْخَرَاجُ لِأَجْلِ ثِمَارِهَا وَزَرْعِهَا فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا حَقّ آخَرَ لِأَجْلِهَا وَأَرْضُ الْعُشْرِ لَمْ يَجِبْ فِي ذِمّتِهِ حَقّ عَنْهَا فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْحَقّ فِيمَا يَكُونُ مِنْهَا. وَسَوّى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَيْنَ الأَرَضينَ فِي ذَلِكَ وَأَوْجَبَهُ فِيمَا أُخِذَ مِنْ مُلْكِهِ أَوْ مَوَاتٍ عُشْرِيّةً كَانَتْ الْأَرْضُ أَوْ خَرَاجِيّةً. ثُمّ اخْتَلَفَ الْمُوجِبُونَ لَهُ هَلْ لَهُ نِصَابٌ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنّهُ يَجِبُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللّهِ وَالثّانِي: أَنّ لَهُ نِصَابًا مُعَيّنًا ثُمّ اُخْتُلِفَ فِي قَدْرِهِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ. وَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ الْحَسَنِ: هُوَ خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ وَالْفَرَقُ سِتّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا بِالْعِرَاقِيّ. وَقَالَ أَحْمَدُ: نِصَابُهُ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ ثُمّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي الْفَرَقِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: إنّهُ سِتّونَ رِطْلًا وَالثّانِي: إنّهُ سِتّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا.
وَالثّالِثُ سِتّةَ عَشَرَ رِطْلًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاللّهُ أَعْلَمُ.

.فصل دُعَاؤُهُ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِجَابِي الزّكَاةِ:

النّهْيُ عَنْ الْأَخْذِ مِنْ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ:
وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا جَاءَهُ الرّجُلُ بِالزّكَاةِ دَعَا لَهُ. فَتَارَةً يَقُولُ اللّهُمّ بَارِكْ فِيهِ وَفِي إبِلِه وَتَارَةً يَقُولُ اللّهُمّ صَلّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَخْذُ كَرَائِمِ وَسَطَ الْمَالِ وَلِهَذَا نَهَى مُعَاذًا عَنْ ذَلِكَ.

.فصل التّصَرّفُ فِي الصّدَقَةِ:

وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَنْهَى الْمُتَصَدّقَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ وَكَانَ يُبِيحُ لِلْغَنِيّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ الصّدَقَةِ إذَا أَهْدَاهَا إلَيْهِ الْفَقِيرُ وَأَكَلَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ لَحْمٍ تَصَدّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَقَالَ هوَعَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا مِنْهَا هَدْيُهُ. وَكَانَ أَحْيَانًا يَسْتَدِينُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصّدَقَةِ كَمَا جَهّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتْ الْإِبِلُ فَأَمَرَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَمْرٍو وَكَانَ يَسِمُ إبِلَ الصّدَقَةِ بِيَدِهِ وَكَانَ يَسِمُهَا فِي آذَانِهَا وَكَانَ إذَا عَرّاهُ أَمْرٌ اسْتَسْلَفَ الصّدَقَةَ مِنْ أَرْبَابِهَا كَمَا اسْتَسْلَفَ مِنْ الْعَبّاسِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ.

.فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ:

.مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمِقْدَارُهَا:

فَرَضَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْمُسْلِمِ وَعَلَى مَنْ يَمُونُهُ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى حُرّ وَعَبْدٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ وَرُوِيَ عَنْهُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرّ. وَالْمَعْرُوفُ أَنّ عُمَر بْنَ الْخَطّابِ جَعَلَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرّ مَكَانَ الصّاعِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي الصّحِيحَيْنِ أَنّ مُعَاوِيَةَ هُوَ الّذِي قَوّمَ ذَلِك وَفِيهِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ آثَارٌ مُرْسَلَةٌ وَمُسْنَدَةٌ يُقَوّي بَعْضُهَا بَعْضًا. عَبْدِ اللّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَوْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي صعير عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَاعٌ مِنْ بُرّ أَوْ قَمْحٍ عَلَى كُلّ اثْنَيْن رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكّةَ أَلَا إنّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرّ أَوْ عَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ مُدّانِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ سِوَاهُ صَاعًا مِنْ طَعَام قَالَ التّرْمِذِيّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى الدّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ بِنِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ وَفِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَثّقَهُ بَعْضُهُمْ وَتَكَلّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيّ: خَطَبَ ابْنُ عَبّاسٍ فِي آخِرِ رَمَضَانَ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ فَكَأَنّ النّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا. فَقَالَ مِنْ هَاهُنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ قُومُوا إلَى إخْوَانِكُمْ فَعَلّمُوهُمْ فَإِنّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فَرَضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَذِهِ الصّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ عَلَى كُلّ حُرّ أَوْ مَمْلُوكٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَلَمّا قَدِمَ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ رَأَى رُخَصَ السّعْرِ قَالَ قَدْ أَوْسَعَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَلَوْ جَعَلْتُمُوهُ صَاعًا مِنْ كُلّ شَيْءٍ أَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفْظُهُ وَالنّسَائِيّ وَعِنْدَهُ فَقَالَ عَلِيّ: أَمّا إذْ أَوْسَعَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا اجْعَلُوهَا صَاعًا مِنْ بُرّ وَغَيْرِهِ وَكَانَ شَيْخُنَا رَحِمَهُ اللّهُ يُقَوّي هَذَا الْمَذْهَبَ وَيَقُولُ هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْكَفّارَاتِ أَنّ الْوَاجِبَ فِيهَا مِنْ الْبُرّ نصف الواجب من غيره.

.فصل وَقْتَ إخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَكَذَا الْأُضْحِيّةُ:

وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إخْرَاجُ هَذِهِ الصّدَقَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَفِي السّنَنِ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مَنْ أَدّاهَا قَبْلَ الصّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدّاهَا بَعْدَ الصّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصّدَقَاتِ وَفِي الصّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدّى قَبْلَ خُرُوجِ النّاسِ إلَى الصّلَاةِ.
وَمُقْتَضَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ صَلَاةِ الْعِيدِ وَأَنّهَا تَفُوتُ بِالْفَرَاغِ مِنْ الصّلَاةِ وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ فَإِنّهُ لَا مُعَارِضَ لِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَلَا نَاسِخَ وَلَا إجْمَاعَ يَدْفَعُ الْقَوْلَ بِهِمَا وَكَانَ شَيْخُنَا يُقَوّي ذَلِكَ وَيَنْصُرُهُ وَنَظِيرُهُ تَرْتِيبُ الْأُضْحِيّةِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ لَا عَلَى وَقْتِهَا وَأَنّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَمْ تَكُنْ ذَبِيحَتُهُ أُضْحِيّةً بَلْ شَاةَ لَحْمٍ. وَهَذَا أَيْضًا هُوَ الصّوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى وَهَذَا هَدْيُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

.فصل لَا تُعْطَى صَدَقَةُ الْفِطْرِ إلّا لِلْمَسَاكِينِ:

وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَخْصِيصُ الْمَسَاكِينِ بِهَذِهِ الصّدَقَةِ وَلَمْ يَكُنْ يَقْسِمُهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثّمَانِيَةِ قَبْضَةً قَبْضَةً وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ بَلْ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا: إنّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا إلّا عَلَى الْمَسَاكِينِ خاصة، وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية.

.فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي صَدَقَةِ التّطَوّعِ:

كَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَعْظَمَ النّاسِ صَدَقَةً بِمَا مَلَكَتْ يَدُهُ وَكَانَ لَا يَسْتَكْثِرُ شَيْئًا أَعْطَاهُ لِلّهِ تَعَالَى وَلَا يَسْتَقِلّهُ وَكَانَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ شَيْئًا عِنْدَهُ إلّا أَعْطَاهُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَكَانَ عَطَاؤُهُ عَطَاءَ مَنْ لَا يَخَافُ الْفَقْرَ وَكَانَ الْعَطَاءُ وَالصّدَقَةُ أَحَبّ شَيْءٍ إلَيْهِ وَكَانَ سُرُورُهُ وَفَرَحُهُ بِمَا يُعْطِيهِ أَعْظَمَ مِنْ سُرُورِ الْآخِذِ بِمَا يَأْخُذُهُ وَكَانَ أَجْوَدَ النّاسِ بِالْخَيْرِ يَمِينُهُ كَالرّيحِ الْمُرْسَلَةِ. وَكَانَ إذَا عَرَضَ لَهُ مُحْتَاجٌ آثَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ تَارَةً بِطَعَامِهِ وَتَارَةً بِلِبَاسِهِ. وَكَانَ يُنَوّعُ فِي أَصْنَافِ عَطَائِهِ وَصَدَقَتِهِ فَتَارَةً بِالْهِبَةِ وَتَارَةً بِالصّدَقَةِ وَتَارَةً بِالْهَدِيّةِ وَتَارَةً بِشِرَاءِ الشّيْءِ ثُمّ يُعْطِي الْبَائِعَ الثّمَنَ وَالسّلْعَةَ جَمِيعًا كَمَا فَعَلَ بِبَعِيرِ جَابِرٍ.
وَتَارَةً كَانَ يَقْتَرِضُ الشّيْءَ فَيَرُدّ أَكْثَرَ مِنْهُ وَأَفْضَلَ وَأَكْبَرَ وَيَشْتَرِي الشّيْءَ فَيُعْطِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ وَيَقْبَلُ الْهَدِيّةَ وَيُكَافِئُ عَلَيْهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ بِأَضْعَافِهَا تَلَطّفًا وَتَنَوّعًا فِي ضُرُوبِ الصّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ بِكُلّ مُمْكِنٍ وَكَانَتْ صَدَقَتُهُ وَإِحْسَانُهُ بِمَا يَمْلِكُهُ وَبِحَالِهِ وَبِقَوْلِهِ فَيُخْرِجُ مَا عِنْدَهُ وَيَأْمُرُ بِالصّدَقَةِ وَيَحُضّ عَلَيْهَا وَيَدْعُو إلَيْهَا بِحَالِهِ وَقَوْلُهُ فَإِذَا رَآهُ الْبَخِيلُ الشّحِيحُ دَعَاهُ حَالُهُ إلَى الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ وَكَانَ مَنْ خَالَطَهُ وَصَحِبَهُ وَرَأَى هَدْيَهُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ السّمَاحَةِ وَالنّدَى. وَكَانَ هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَدْعُو إلَى الْإِحْسَانِ وَالصّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَلِذَلِكَ كَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَشْرَحَ الْخَلْقِ صَدْرًا وَأَطْيَبَهُمْ نَفْسًا وَأَنْعَمَهُمْ قَلْبًا فَإِنّ لِلصّدَقَةِ وَفِعْلِ الْمَعْرُوفِ تَأْثِيرًا عَجِيبًا فِي شَرْحِ الصّدْرِ وَانْضَافَ ذَلِكَ إلَى مَا خَصّهُ اللّهُ بِهِ مِنْ شَرْحِ صَدْرِهِ بِالنّبُوّةِ وَالرّسَالَةِ وَخَصَائِصِهَا وَتَوَابِعِهَا وَشَرْحِ صَدْرِهِ حِسّا وَإِخْرَاجِ حَظّ الشّيْطَانِ مِنْهُ.